لحظات لا تُنسى ومواقف جمعت أفراد عائلة آل جمجوم عبر السنين
٥٠ صورة | سهرة عائلية | جدة
مستخرجة من كتاب «بيت آل جمجوم» للدكتور محمد أبو بكر حميد
بدأت قصة آل جمجوم في الحجاز برحلة هجرة تاريخية؛ إذ هاجر الجد الأكبر السيد عيسى يوسف خليل جمجوم من مدينة الخليل بفلسطين إلى القاهرة سنة 1816م، وهو في السادسة والعشرين من عمره، ونزل بحي الجمالية الشهير واشتغل بتجارة الصابون. وبعد ثلاثة وثلاثين عامًا توفي تاركًا لأبنائه الأربعة وصيةً بالانتقال إلى المدينة المنورة. وفي 1854م وصل الإخوة الأربعة إلى الحجاز تنفيذًا لرغبة أبيهم، وفي 1856م انتقلوا إلى جدة واشتروا البيت الكبير في حارة المظلوم الذي لا يزال قائمًا حتى اليوم.
كان الجد عيسى يوسف خليل جمجوم يردد على أبنائه دومًا قوله: «لو امتد بي الأجل لهاجرت إلى المدينة المنورة وحططت الرحال إلى جوار سيد الخلق حتى أموت وأدفن في البقيع». وقد توفي قبل أن يحقق أمنيته، فحمل أبناؤه الأربعة هذه الوصية في قلوبهم، وبعد ثلاث سنوات من وفاته تركوا تجارة مصر المزدهرة واتجهوا نحو الحجاز تحقيقًا لحلم أبيهم، فكان وصولهم إلى المدينة المنورة ثم جدة بداية تاريخ آل جمجوم في الحجاز.
في أواخر القرن التاسع عشر ضربت أزمة اقتصادية عالمية الحجاز، فتعثّر عبدالعزيز بن صالح جمجوم في سداد الديون التجارية، ورفض مقاضاة التجار الذين عليهم ديون له قائلًا: «عوضي على الله الرزاق ذي القوة المتين». ثم لما جاء ابنا عمه من مصر يطالبانه بالحساب، باع كل أملاكه في جدة والمدينة المنورة وفاءً بالتزاماته، بينما تنازل أحد الشركاء عن نصيبه كاملًا قائلًا: «عوضي على الله». ومن العجب أن الله عوّض المتنازل فأصبح من أثرى أثرياء مصر في عصره.
حين كبر عبدالقادر بن عيسى جمجوم واعتلت صحته في مصر، لم يغرّه ثراؤه ولا بذخ قصوره في القاهرة، بل آثر أن يعيش ما تبقى من عمره في رحاب المدينة المنورة. كان يردد على أبنائه قول النبي ﷺ: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها». وعلى هذه النية عاد إلى المدينة المنورة سنة 1890م، وبعد عام واحد توفي ودفن في البقيع، فحقق الله له أمنيته.
حين أفلس الشيخ عبدالعزيز بن صالح جمجوم وخرج من السوق مفلساً، لم يشكُ ولم يتذمر، بل لزم البيت يدعو ربه. وكلما خاطبه أحد من أهله في أمر اعتزاله قال: «دعوني أخلو بوجه ربي حتى يأتيني اليقين». وكان يردد أيضاً: «الحمد لله الذي طهّرني من أوضار الدنيا حتى لا ألقاه محمّلاً بأثقالها فيطول حسابي». وقد كانت هذه الروح العالية التي أورثها لابنه عبدالرؤوف هي السر في نهوضه وإعادة مجد العائلة من جديد.
لم يرث عبدالرؤوف جمجوم سوى الإيمان والطموح. بدأ في السابعة عشرة كاتباً لدى أربعة تجار في آنٍ واحد، يعمل من قبل الفجر حتى الحادية عشرة ليلاً. ثم سافر للأزهر ودرس العلوم الشرعية، ثم إلى الهند ودرس الإدارة والمحاسبة. وعاد ليبني تجارة القاز والخشب والمواد الغذائية، ويؤسس مدرسة الفلاح مع صديقه، ويتولى أوقاف جدة. وفي سن السابعة والثلاثين كتب وصيته التي يظنها القارئ وصية شيخ جاوز الثمانين. توفي وهو في الثامنة والثلاثين، وقد بنى ما عجز عنه غيره ممن طالت أعمارهم.
أمضى الدكتور محمد أبوبكر حميد أكثر من ثلاث سنوات في البحث والتوثيق لتاريخ آل جمجوم، متتبعًا الوثائق والشهادات والسجلات التاريخية في فلسطين ومصر والحجاز. وكان من أبرز مصادره السيد حسن رياض جمجوم الذي أعطاه في آخر لقاء ساعتين بصوته قبل وفاته بعشرة أيام. وقد أنجز كتاب «بيت آل جمجوم» الذي أصبح مرجعًا للعائلة ولكل مهتم بالتاريخ الحجازي.
ولد عبدالرؤوف بن عبدالعزيز جمجوم سنة 1882م وتوفي والده وهو في السابعة عشرة دون أن يترك شيئًا يُذكر. بدأ عبدالرؤوف حياته كاتبًا لدى أربعة من كبار تجار جدة يعمل من قبل الفجر حتى الحادية عشرة ليلًا. ثم درس في الأزهر الشريف وتخصص في الإدارة والمحاسبة بالهند. وبعد سنوات من الكفاح أسّس مدرسة الفلاح الشهيرة مع صديقه الحاج محمد علي زينل، وبذل كل ماله في سبيل استمرارها حتى أصبحت منارة للتعليم في الحجاز. وقد عاش فقط 38 عامًا لكنه أنجز ما لم يُنجزه غيره ممن طالت أعمارهم.
قبل صدور الترخيص الرسمي لمدرسة الفلاح، قرر عبدالرؤوف جمجوم وأخوه محمد صالح افتتاح المدرسة سراً سنة 1910م والتدريس مساءً. وكانا يقومان بتوصيل التلاميذ من بيوتهم سراً بعد الغروب إلى المدرسة وإعادتهم ليلاً توفيراً لأي مصروفات لا يستطيعها الأهالي. بدأت بـ 24 طالباً في غرفة واحدة بمدخل المنزل ومعلم واحد، حتى صدر الترخيص الرسمي من إسطنبول باسم عبدالرؤوف جمجوم سنة 1911م.
حين احتاج صديقه الحاج محمد علي زينل إلى قرض لتسديد ديون المدرسة، وجد عبدالرؤوف نفسه بلا سيولة كافية. فما كان منه إلا أن رهن مخزونه الكامل من السكر عند أحد التجار مقابل ألفي جنيه وهو جميع ما يملك، وسلّمها لصديقه. وقد دوّن عبدالرؤوف في وصيته عن هذا الموقف: «لو طلب مني روحي وروح إخواني وأولادي وأهلي وعائلتي لأفديه به، ولو كان في الإمكان رهن روحي كنت أرهنها».
في 27 رمضان 1334هـ، بعد أن أنفق عبدالرؤوف جمجوم آخر جنيه في الصندوق على رواتب معلمي مدرستي الفلاح في جدة ومكة، أوى إلى فراشه مهموماً والعيد على الأبواب وليس عنده ما ينفقه على أسرته. وفي تلك الليلة جاءه ناظر جمرك جدة بعد منتصف الليل يحمل ستمائة ريال مجيدي. فصرف عبدالرؤوف رواتب المساجد واستدان الباقي لأهله، ثم ما هي إلا أيام حتى وصلت البضائع من بومباي وانفرجت الهموم. وكتب في وصيته: «انظر رحمك الله تعالى إلى فائدة الإخلاص وفائدة العمل لوجه الله تعالى».
حين عثر محمد علي زينل سنة 1905م على المبنى الذي حلم أن تشغله مدرسته لم يكن يملك ثمنه. فلما علمت زوجته الوفية خديجة بنت عبدالله علي رضا بما يؤرقه، بادرت دون تردد إلى بيع جميع ما كان لديها من المجوهرات والحلي، وقدمتها له ليشتري المبنى في شوال 1323هـ. كان هذا الشراء بداية مدرسة الفلاح المادية، ولم يكن ليتم لولا تضحية امرأة جعلت حلم زوجها أغلى من ذهبها.
حين وصل خبر غرق إحدى أكبر سفن باخشب باشا، تدخل أحمد صالح جمجوم وأقنع التجار بالتنازل عن تعويضاتهم. وبعد شهر علم أن الباخرة لم تغرق بل تعطلت مؤقتاً وعادت. فذهب إلى باخشب وقال له: «أنت الحكم وأنا أنفذ». فطلب منه التبرع بنصف قيمة الباخرة للجامعة. فكان الشيك بمليون ريال — كان يساوي مائة مليون بحساب اليوم. وكان لأحمد جمجوم دور في إطلاق فكرة جامعة الملك عبدالعزيز الأهلية عام 1964م.
حين تعثّر يوسف بن عيسى جمجوم في تجارته بمصر سنة 1877م ووجد نفسه غارقًا في الديون، لم يُفكر في الهروب بل قال لإخوانه: «لو خسرنا كل أموالنا تهون، ولكن لا نُخسر سمعة آل جمجوم في السوق التي لا تُقدر بمال، لقد استدنت من الناس فأعطوني بسمعة آل جمجوم في الأمانة والوفاء بالعهد، وليس بسمعتي الشخصية بصفتي تاجرًا». ثم باع نصيبه في الشركة لأخيه لسداد كل ديونه، محافظًا على سمعة الأسرة فوق كل اعتبار.
كانت صناعة الصابون هي الرابطة التجارية الأولى التي جمعت آل جمجوم عبر أجيال وأوطان؛ اشتُهروا بها في حارة القزازين بالخليل بفلسطين، ثم حملوها معهم حين هاجر الجد عيسى إلى القاهرة سنة 1816م فأدخل صناعة الصابون الفلسطينية إلى مصر لأول مرة، ثم لما وصل أبناؤه إلى الحجاز جاؤوا بالصابون ومواد التجميل من مصر. وقد كانت هذه التجارة الجسر الذي عبر عليه آل جمجوم ثلاثة أوطان وبنوا فيها حضوراً تجارياً راسخاً.
ترك الشيخ عبدالرؤوف بن عبدالعزيز جمجوم وصيةً عميقة تعدّ دستورًا أخلاقيًا نادرًا، تضمنت قيمًا إيمانية وأخلاقية وتجارية واجتماعية. ومن أبرز ما جاء فيها: «اجعل توكلك واعتمادك على الله تعالى وثقتك به وحدك فقط»، و«كونوا أهل سخاء وأهل شفقة ورحمة، وأهل علم وتعلم، وأهل جد واجتهاد»، و«اعلم أن كل من جمع العائلة الجمجومية وحفظها من التفرق والشتات فليُبشّر بالغنى التام والسعادة العظمى في الدنيا والآخرة». وقد أوقف عقاراته على مدارس الفلاح الحجازية وعلى سكنى العائلة.
حين استعاد عبدالرؤوف جمجوم مجد العائلة التجاري، وضع لنفسه أخلاقيات صارمة في التعامل مع الزبائن؛ فجعل شعاره قول النبي ﷺ: «من غشنا فليس منا»، وبأمانته وصدقه جعل خشب جمجوم ماركة تجارية في الجودة. ومن أقواله المأثورة: «القناعة بالربح القليل مجلبة لبركة الرزق». وكان يراعي الفقير ويتساهل مع المعسر ويتسامح مع من تأخر في السداد، وهذه السمة توارثها أبناء آل جمجوم جيلاً بعد جيل.
في موسم الحج الأخير من عمره سنة 1920م، وكان عبدالرؤوف جمجوم مريضاً بمرض عضال، قال له أهله وهو في الطائف: «الأطباء ينصحون بعدم السفر». فأجابهم: «المشاعر المقدسة تناديني». فذهب إلى مكة وأدى فريضة الحج ونزل بمدرسة الفلاح، ثم وافته المنية بعد الحج بأيام قليلة ودفن في مقبرة المعلاة. وكانت آخر وصاياه بمدارس الفلاح ونشر العلم الديني والدنيوي، مكرراً قوله المأثور: «لا يكتمل إيمان دون علم، ولا خير في علم دون إيمان».
على امتداد مراحل الكفاح الفلسطيني ضد الاستعمار الإنجليزي ثم الاحتلال، ظلت عائلة جمجوم تقدم الشهداء والمقاومين. وكانوا يسكنون في حارة القزازين بمدينة الخليل، حيث شكّلوا غالبية سكانها لأجيال. ولم يتخلَّ التجار منهم عن دكاكينهم حين عمد الاحتلال الصهيوني إلى إغلاق الأسواق إكراهًا، بل صمدوا حتى أُجبروا على الرحيل بعد مجزرة المسجد الإبراهيمي في التسعينيات.
كان محمد صالح جمجوم يوقع الكفالات لكل من يطلبها وهو يمشي في الشارع دون أن ينظر إليها أو يعرف أصحابها، حتى كتب عنه معاصروه: «كان كل من يلجأ إليه يجد طلبه دون تردد أو امتعاض». وحين أخل بعض المكفولين بالتزاماتهم وألزم الشيخ محمد صالح بدفع مبلغ ضخم لم يكن قادراً عليه، اختار السجن على الإنكار. وما هي إلا أيام حتى أصدر الملك عبدالعزيز أمراً بإعفائه من الغرامة، وغادر وسط تكريم الناس وابتهاجهم.
في عام 1951م اجتمع خمسة وعشرون من شباب الحجاز المتعلم في حارة أجياد بمكة المكرمة، وأعلنوا تأسيس «المؤسسة السعودية للثقافة الشعبية»، بمشاركة ثلاثة من آل جمجوم هم: عبداللطيف جمجوم وأحمد صالح جمجوم وأسعد حسن جمجوم. كانت المؤسسة أول من يعلّم اللغة الإنجليزية بشكل علمي في مكة المكرمة، ورائدة في تأسيس أول رياض أطفال في مكة وجدة. وكان كل عضو يتطوع بتدريس مادة في تخصصه مساءً.
في عام 2020م أسس يوسف محمد صالح جمجوم وابنه محمود يوسف جمجوم «أكاديمية جمجوم فارما» في جدة كأول أكاديمية متخصصة في صناعة الأدوية في المملكة. تستوعب 250 متدرباً في كل دفعة، وتقدم أربعة مجالات تدريبية في تخصصات الصيدلة وصناعة الأدوية. وتتميز بربط التدريب النظري بالممارسة الفعلية داخل مصنع حي. وتجسّد الأكاديمية امتداداً لمسيرة آل جمجوم في الاستثمار في الإنسان قبل المبنى والمعدة.
صور لقاءات الأسرة
صور الخريجين
مناسبات الزواج
صور تاريخية نادرة